
مصر بين الإنقلاب والثورة
الثورة المصرية مازلت في بداياتها بعد الإنقلاب العسكري على الديكتاتور مبارك لاحتواء الغضب الجماهيري المتنامي ضد سياسات حكمه الطويلة، وأرى أنه من الضروري العمل على استعادة المسار الثوري لما أتفق عليه بأنه "ثورة 25 يناير" بعدما نجح العسكر بسهولة في انجاح مخططهم الإنقلابي بدعوى حماية الثورة والديمقراطية بمساعدة جماعة الأخوان المسلمين وأخرين ممن يبررون ضرورة وجود العسكر في الحكم بدعوى توافر جدول زمني لعودتهم لثكناتهم وبدء حياة ديمقراطية سليمة
كثيرون وأنا منهم رأوا في الدعوة للتظاهر يوم 25 يناير فرصة جيدة لبث روح جديدة في الحركة الجماهيرية المعارضة لنظام مبارك، ولكننا رأينا أيضا أنه ليس من الممكن الإعتقاد بأن هذا اليوم هو بداية للثورة المصرية لا لشئ سوى أنه من غير المنطقي أن تبدأ الثورة بدون توافر قيادة لها ومطالب واضحة، وكان ذلك أحد عوامل الآزمة التي نعاني منها الآن والتي تفجر في كل منعطف الخلافات والإختلافات في الرؤى حتى بين الرفاق أو الأخوة في كافة التيارات والقوى السياسية
أحد أهم الآوهام التي يجري تداولها كمسلمة أو بديهية بشأن ما يحدث في مصر أن الثورة المصرية دامت 18 يوماً وحققت هدفها بتخلي مبارك عن الحكم، رغم أن الداعين لمظاهرة يوم الثلاثاء 25 يناير أنفسهم لم يتوقعوا أن يكون ذلك اليوم الأول للثورة، فقد شاركت في هذا اليوم من الساعة الثالثة ظهرا بميدان التحرير وحتى الثانية والنصف بعد مواجهات عنيفة مع الأمن المركزي أسفل نفق شبرا، ونتيجة للعنف الشديد وقمع المتظاهرين كتبت ساعتها أن التظاهر سيستمر، وتأكد ذلك بعدما وقع أول شهيد في السويس بخلاف عشرات المصابين، ومرا يومي الأربعاء والخميس بمناوشات ومظاهرات محدودة كانت بداية لزخم يوم جمعة الغضب 28 يناير الذي شاركت فيه بمنطقة إمبابه التي شهدت يوما طويلاً من المواجهات العنيفة بين قوات الامن والمتظاهرين الذين ملاؤا شارع السودان حتى ميدان الكيت كات حتى إعلان فرض حظر التجول وانسحاب الشرطة ونزول الجيش
بدأ الاعتصام في التحرير لتحقيق المطالب السبعة الشهيرة التي توافق عليها المعتصمون وممثلي كافة التيارات السياسية والحركات الشبابية الجديدة، وطوال أيام الإعتصام واجه المعتصمون نفس المقولات التي تواجه المعتصمين اليوم في ميدان التحرير وكان هناك من يقول أن إسقاط مبارك مستحيل وعلينا القبول بالحد الأدنى، وسارع الكثيرون للحوار مع نائب الديكتاتور مبارك فيما هرول أخرون لجني ثمار الحركة بإكتساب الشرعية التي يحتاجونها من النظام، وكانت رؤية المعتصمين هي الدافع لكشف زيف المحللين لبقاء النظام والقبول ببعض الإصلاحات التي رفضها منذ سنوات طويلة وكان شعار لاتفاوض قبل الرحيل صحيحا في هذا الوقت، وهو ماتحقق في 11 فبراير بتخلي مبارك عن السلطة "وتفويضه للقوات المسلحة لإدراة شئون البلاد
فرح الناس واحتفلوا بالنصر فيما اعتقدت ساعتها أن الثورة الحقيقية بدأت ولم تنته كما شعر الكثيرون واستثمر الجيش ومؤيدوه هذا الشعور ونجح جهاز الشئون المعنوية بالجيش في تمرير مقولة نجاح الثورة وتعميمها في وسائل الإعلام لوقف أي تحرك جماهيري يطالب بإحداث تغيير جذري وحقيقي للواقع، وبدأ الجيش في إظهار حقيقة الانقلاب المدعوم بغطاء من جماعة الاخوان التي قدمت نفسها للجيش بوصفها القادرة على قيادة وتحريك الشارع والجماهير خلفها، فجاءت لجنة التعديلات الدستورية وظهرت مقولة "المطالب الفئوية" وقانون "تجريم التظاهر" وخلال ذلك جري فض الإعتصامات باستخدام القوة المفرطة والمحاكمات العسكرية السريعة، وتكررت انتهاكات الجيش والشرطة لحقوق الإنسان فيما يمكن وصفه بشكل منهجي بالتعاون مع أمن الدولة في ظل غياب المسائلة والمحاسبة للمسؤلين بدعوى أن الجيش خط أحمر جديد
بتوافق نابع من تنفيذ تعليمات المجلس العسكري بدأت حملات النفاق للجيش وغسيل الادمغة والتستر على فظائع لاتختلف كثيرا عما كان يجري أيام الديكتاتور أو تبريراً لانتهاكات الجيش التي كان منها هجوم قوات كثيفة فجر السبت الماضي على المعتصمين بميدان التحرير بحجة القبض على الضباط المعتصمين، وسالت دماء جديدة لاترضي احداً سوى رغبة قادة المجلس العسكري في إعلان وتأكيد قدرتهم على احتكار العنف دائما والقتل أحيانا، وتجدد التدليس الإعلامي على أكاذيب المجلس العسكري، وآخرها اليوم بالحكم على المدون مايكل نبيل بثلاث سنوات بدعوى إهانة المؤسسة العسكرية، في الوقت الذي وجد الشباب أنفسهم الذين يرغبون في تحقيق مطالب التغيير مجددا وحيدون في الميدان يستمعوا لنفس المقولات الهادئة الرصينة إنه من المستحيل مواجهة المجلس حتى لايحدث انشقاق بالجيش أو انقلاب عسكري متناسين أن ماحدث هو بالفعل أسهل انقلاب عسكري حقيقي
ما يهم الآن ليس تبادل الاتهامات بل الرأي حتى يمكن أن نتوصل لخريطة او خطة عمل جديدة في النضال ضد تؤاطو المجلس العسكري وانقلابه على مطالب الحرية والعدالة والديمقراطية، وهذا قد يمكن طالما بقي بعض من التواصل بين أصحاب الرؤى المختلفة للوصول الهدف المشترك وهو انجاح الثورة وتحقيق التغيير الجذري المنشود
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق